دور الدعاية والاعلام في تصنيع وخداع الرأي العام في العراق

 

دور الدعاية والاعلام في تصنيع وخداع الرأي العام في العراق

                                    مروان ياسين الدليمي

 ليس لدى الشعوب دافع فطري لخوض الحروب،بقدر ما تتطلع بشكل دائم للعيش بشكل آمن ومريح،ولاجل ان تحقق الحكومات غايتها في دفعهم الى محرقة الاقتتال،يؤكد المفكر ناعوم تشومسكي بهذا الخصوص على ان “الحكومات ولغرض تحقيق اهدافها،تجعلهم يشعرون بالخوف من شي ما يهدد حياتهم ووجودهم” ، بذلك يصبح المناخ مهيأً امامها لدفعهم الى السقوط في هوة الايمان بضرورة ان يخوضوا الحرب، بعد ان تكون الرغبة بالانتقام قد استولت عليهم بمايشبه الهستيريا.

هذا ماعملت عليه السلطة في العراق بعد العام 2003 فكانت شماعة الخطر الطائفي بمثابة الذريعة التي استندت عليها في محاولة منها لتجييش مشاعر الشيعة في العراق ومعهم الاقليات ضد العرب السنة،على اعتبار انهم قد فقدوا السلطة،فمن الطبيعي ان يلجأوا الى العنف والارهاب  لزعزعة النظام الجديد واضعافه بهدف عودتهم مرة اخرى الى سدة الحكم.

لم تكن هذه الاجندة بعيدة عن مخططات الدوائر الاستخبارتية الاميركية التي روجت لهذه الفكرة ماان احتلت القوات الاميركية العراق،اضافة الى عديد من المنظمات الغربية التي نشطت في العراق ونظمت الكثير من المؤتمرات تحت عنوان برّاق (حماية وصيانة حقوق الاقليات) وضخت لاجل ذلك الكثير من الاموال دعمت فيها شخصيات وزعامات مختلفة العناوين والهويات وكذلك منظمات مجتمع مدني،لاجل ان يكون دورها السياسي منخرطاً في اطار سياسة ممنهجة تتمحور في تعميق الهوة  مابين العرب السنة والعرب الشيعة من ناحية،ومابين العرب السنة وبقية المكونات من ناحية اخرى .

 لم يكن وصول المالكي الى سدة الحكم لمدة ثمانية اعوام (2006 – 2014) من قبيل الصدفة، بل جاء في اطار توظيف مايمتلكه من مؤهلات شخصية يطغي عليها عنصر التخندق الطائفي  في تنفيذ هذه الاجندة الدعائية ،من هنا كان خيار صعوده  الى منصب رئاسة مجلس الوزراء منسجما مع حسابات احزاب الاسلام السياسي(الشيعية)التي يتألف منها التحالف الوطني وفقا لما عرف عنه من  تطرف مذهبي  وانخراط عميق في تنفيذ المشروع الايراني الهادف الى التمدد الطائفي في المنطقة منذ ان كان يقاتل الى جانب الجيش الايراني ضد الجيش العراقي في الحرب العراقية الايرانية(1980 – 1988 )فكان المالكي افضل من لديه الاستعداد على تهييج المشاعر الطائفية،ومن هنا كانت خطاباته مليئة باستحضار حكايات وشخوص من الماض البعيد الذي كان سببا في الانقسام المذهبي الذي بات يعيشه المسلمون منذ 1400 عام ، ولم يبخل طيلة فترة حكمه من تحفيز الرأي العام الشيعي لتأييد قسوته في التعامل مع العرب السنة.

سيكون من المنطقي جدا ان هذه البروباغندا تحتاج الى ان يجند لها اسماء واقلام معروفة في الوسط الثقافي والصحفي،هذا اضافة الى توظيف اكثر من خمسة الاف شخص كانوا يمارسون دورهم في عمليات تزييف وتزوير الحقائق على صفحات التواصل الاجتماعي،حسب مااعلن ذلك حيدر العبادي نفسه في نهاية العام 2014 في اول خطاب له بعد استلامه منصب رئاسة مجلس الوزراء خلفا للمالكي .

ولان  المهمة الدعائية لدى التحالف الوطني كانت على درجة كبيرة من الاهمية وتستدعي منه ان يمد اذرعه ممثلة في كتاب وصحفيين ومثقفين داخل مفاصل كثيرة من الحياة لم يبخل ابدا في ضخ المال لتنفيذ هذا المشروع الدعائي الذي يشيطن العرب السنة امام الشيعة اولا وامام الاقليات ثانيا،وليجعلهم بالتالي مصدرا لكل ماتشهده البلاد من عنف وارهاب،وقد نجح بمهمته هذه بشكل كبير الى الحد الذي لم يعد يحظى العرب السنة بموقف متعاطف معهم داخل البلاد،رغم ماجرى ويجري عليهم من انتهاكات اعتادت ان ترتكبها اجهزة السلطة الامنية والميليشيات الطائفية،بل على العكس من ذلك ساد شعور جمعي قوامه التشفي والرضا بما يقع عليهم من مصائب،وكأن الجميع  يقول لهم “ذوقوا نتيجة افعالكم “، وهذا ماتكشف عنه بشكل سافر  التعليقات التي تزدحم بها مواقع التواصل الاجتماعي (فيس بوك وتويتر ).

النتيجة التي وصل اليها الرأي العام على هذه الصورة المرعبة تعني ان الدعاية الطائفية التي رعتها احزاب الاسلام السياسي المتحكمة بالسلطة قد تمكنت من صناعة رأي عام وفق اجندتها الطائفية،بعد ان نجحت في احداث انقسام حاد بين مكونات المجتمع العراقي وشتّتهم الى جماعات اثنية وطائفية،بذلك سقطت فكرة الاحتجاج من حسابات معظم القوى المجتمعية بكافة مسمياتها رغم ما يجري امامهم من مناظر تنسف فكرة العدالة والديموقراطية المزعومة عندما يتم الاستهانة بحقوق الانسان وكرامته حيث يتم اقتياد العرب السنة من بيوتهم الى المعتقلات دون مذكرات اعتقال ودون اوامر قضائية،وتطال ابنائهم المعتقلين في السجون الحكومية حملات الاعدامات الجماعية التي تتولاها وزارة العدل العراقية،وتستباح مدنهم ويتم تدميرها بحجة محاربة قوى الارهاب، ويختفي المئات من شبابهم ورجالهم بعد ان يتم اختطافهم في وضح النهار من قبل ميليشيات محسوبة على الحشد الشعبي ،كما حصل في مدن الانبار حيث تم اختطاف اكثر من 3000 شخص اثناء عملية تحريرها من سلطة داعش مطلع العام 2015  ،ومازالت الاصوات تتعالى مطالبة بمعرفة مصيرهم ولكن دون جدوى،وهناك ايضا اكثر من 1200 شخص تم توقيفهم عند نقطة سيطرة الرزازة(50 كم جنوب الفلوجة )من قبل عناصر تابعة لحزب الله العراقي، وتم اقتيادهم فيما بعد الى جهة مجهولة،وبعد مفاوضات صعبة امتدت لعدة اشهر قامت بها اوساط سياسية وعشائرية تم اطلاق سراح 80  مختطفا من ضمنهم وذلك في شهر كانون الثاني (يناير )من العام 2016  ولم يعرف حتى الان مصير البقية .

كان نجاح الاعلام الطائفي ودعايته في تمرير اجندته التحريضية يحتاج في مقدمة اولويات عمله الى ان يمارس لعبة تزييف الوقائع والاحداث سواء تلك التي وقعت في الماضي البعيد او التي يشهدها الحاضر، وقد لعب هذا التزييف دورا كبيرا في ازالة مخاوف الجمهور الطائفي الذي يتوجه بخطابه اليه وكذلك لدى الاقليات،بالشكل الذي بدت فيه عمليات القتل الممنهج والتصفيات التي بات يتعرض لها العرب السنة طيلة الاعوام الثلاثة عشر الماضية والتي تناولتها تقارير المنظمات الدولية المعنية بحقوق الانسان وكأنها امر لابد منه لتحقيق الحماية للوطن والدفاع عن النفس ضد مكون بعينه طالما قد تورط في ان يكون  بيئة حاضنة لقوى الارهاب.

من هنا يمكننا الاستدلال على الاسباب التي جعلت الشارع العراقي لم يشهد اية فعالية احتجاج من قبل بقية القوى المجتمعية ازاء مايقع من ظلم ترتكبه اجهزة السلطة الامنية ضد العرب السنة،حتى ان حدث سقوط مدينة الموصل في 10 من شهر حزيران (يونيو) 2014 تحت سلطة داعش وهروب الجيش منها لم ينتج عنه اية مظاهر احتجاجية تتناسب مع خطورة وتداعيات الحدث،ربما لان المدينة يسكنها غالبية عربية سنية،وكأن هذا الموقف المريب بما يحمله السكوت المطبق من دلالات تعكس مدى خضوع الرأي العام الى دعاية السلطة بالشكل الذي حيّده ازاء كارثة سقوط الموصل.

ورغم قتامة الصورة في المشهد العراقي إلاّ ان ما شهدته شوارع المدن في جنوب العراق (الناصرية والعمارة والبصرة )في مطلع شهر كانون الاول (ديسمبر) من العام 2016  من تظاهرات ضد زيارة نوري المالكي لهذه المدن وما كشفت عنه هتافات المتظاهرين(معظمهم شيعة)حمّلوه فيها مسؤولية ماجرى للبلاد من خراب ودمار ماهو إلا دليل واضح  على ان الوعي المجتمعي وخاصة لدى عامة الناس في وسط وجنوب العراق الذي غالبيته من الشيعة لم يفقد بوصلته بعد،وعلى انه يدرك جيدا حجم الخديعة التي مارستها الاجهزة الدعاية والاعلامية للاحزاب الاسلاموية الممسكة بالسلطة بهدف احداث حالة من الانقسام والتشظي بين صفوف المجتمع العراقي .

 

Advertisements

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out /  Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out /  Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out /  Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out /  Change )

Connecting to %s

WordPress.com.

Up ↑

%d bloggers like this: