العراق : تغييب المهنية في الخطاب الاعلامي الرسمي

مروان ياسين الدليمي

لم يشهد  خطاب الاعلام الرسمي العراقي بعد العام 2003 تغييراً ملموسا في محتواه رغم ان عملية استبدال  الطاقم الذي كان  يدير ماكنته قد تمت بنسبة عالية جدا منذ الايام الاولى لتغيير النظام السياسي ربما تصل الى  100% ابتدأ من الحلقات الصغرى التنفيذية وانتهاء بالحلقات الاوسع حيث الرؤوس الكبيرة التي تتولى عملية رسم الخطط والبرامج الستراتيجية لكافة المؤسسات الاعلامية .

ويمكن القول ان عملية تغيير القوى البشرية العاملة في الاعلام الرسمي العراقي لم يسبق لها ان شهدت مثل هذا الحراك  وعلى  هذه الصورة في جميع الانظمة التي تعاقبت على حكم العراق منذ الاطاحة بالنظام الملكي عام 1958وحتى سقوط نظام البعث بفعل الاحتلال الاميركي في 9ابريل 2003 خاصة إذا ما أخذنا بنظر الاعتبار العامل الطائفي بعد أن اصبح المعيار الاساسي في احداث هذا التغيير،وليس ممكنا انكار ذلك بعد ان اصطبغت المؤسسات الاعلامية الرسمية بالهوية المذهبية الواحدة لغالبية العناصر العاملة فيها  .

لعل بقاء الاعلام الرسمي على هذا المستوى من النمطية في بنية متنه الخطابي خاصة في مسألة افتقاده الى المعايير المهنية المعمول بها في المؤسسات الاعلامية الرصينة في العالم يعود بدرجة اساسية الى ان المنظومة الفكرية التي تعشعش في ادمغة من يمسك بزمام ادارة المؤسسات الاعلامية الحكومية كانت ومازالت محكومة بهواجس الخوف من فقدان السلطة السياسية طالما ان عملية الوصول اليها قد تمت بطريقة غير شرعية.

وفيما لو تجاوزنا مرحلة العهد الملكي التي لها ظرفها الخاص وبموجبها وضعت اللبنات الاولى لتأسيس الدولة العراقية الحديثة فإننا سنجد من تولى حكم العراق مثل حركة الضباط بزعامة عبد الكريم قاسم وحزب البعث والدعوة لم يصلوا الى سدة الحكم عبر السبل الشرعية التي تتيحها صناديق الانتخابات،بل  اختار الجميع  طريقا واحد واسلوبا واحدا في الوصول الى هذه الغاية وذلك بالاعتماد على القوة العسكرية،وليس مهما هنا هوية هذه القوة سواء كانت اجنبية ام محلية،فالمهم افتقارها  للشرعية القانونية والدستورية،وعلى هذا الاساس كيف يمكن القبول بفكرة توفر قيم مثل الموضوعية والمهنية في خطاب اعلامي رسمي يعبر عن سلطة سياسية استعملت طرقا غير شرعية لاجل أن  تستولي الى الحكم ؟

سيكون من المنطقي وفق هذه الصورة غياب وتغييب هذه المعايير في السياق العام لهذا الخطاب،وبدلا عنها سيتم تكريس التزييف والتزوير والتحريف،لان النظام القائم لايملك حجة وجوده وبقائه التي يواجه بها منتقديه وخصومه واعدائه سوى هذه الاساليب التي لاتجد بيئة نموذجية صالحة يمكن أن تعيش وتنتعش فيها سوى المجتمعات الشبيهة بمجتمعاتنا الشرقية لانها مازالت تعيش منفصلة عن الزمن الانساني العام وتقبع منعزلة في دهاليز واقبية زمنها الخاص حيث تنعدم فيه الرؤية الواضحة لحقيقة ذاتها وموقعها،ولتنعدم بالتالي المسافة الفاصلة مابين الخرافة والعلم وتختلط في مشاهد وفصول هذا الزمن الخاص صورة الفارس البطل مع صورة المجرم والسفاح،وصورة الدجال الافّاق مع صورة المفكر والفيلسوف،وليس افضل من هذه البيئة الموبوءة بالدجل حتى يضيع صوت الحقائق في فوضى الاصوات النشاز .

من هم الذين يشكلون عماد المؤسسات الاعلامية الحكومية ؟

من المنطقي جدا ان النموذج الذي  سينخرط بالعمل فيها حتى وأن توفرت فيه الحرفية العالية فإنه سيكون ابعد من أن يحمل في داخله قيما انسانية يدافع عنها ويستقتل من اجل ايصالها الى المتلقي،فالحقائق لاتعني له شيئ بقدر ما يكون حرصه منصباً على أن يكون خطاب السلطة فاعلا ومؤثرا.

في هذه الحالة سنكون أمام نماذج من الاعلاميين إما ان يكونوا جزءا من منظومة السلطة السياسية وعادة مايتولى هؤلاء المناصب العليا التي تتحكم في تقرير ماينبغي ان يكون عليه الخطاب،أو ان يكونوا نماذج حرفية ينحصر فهمها المحدود لدورها  في اطار  تنفيذ ماهو مطلوب منها بافضل مايكون من الناحية الشكلية،وهذا النموذج يكاد ان  يكون القاعدة العريضة التي تعتمد عليها مؤسسات السلطة الرسمية الاعلامية،ومن الطبيعي جدا ان نجد بينهم عناصر يتوفر فيها مستوى مميز من الذكاء والموهبة والحرفية بغض النظر عن مسألة افتقادهم الى شرط المهنية،وقد حفل المشهد الاعلامي خلال الاعوام الثلاثة عشر الماضية بنماذج كثيرة من هذا الصنف بعضهم جاء من المنافي الاوربية بعد ان تعلم هناك إلاّ انه مارس دوراً اعلاميا سيئا تساوى فيه مع آخرين لم يكن امامهم اية فرصة لكي يعيشوا خارج العراق ويتعرفوا على تجارب البلدان المتقدمة في كيفية تعاطي مؤسساتها الاعلامية مع الوقائع والاحداث بقدر كبير من المهنية .

لقد ارتكب الاعلام الرسمي العراقي العديد من الانتهاكات والاساءات بحق المجتمع عندما تحول الى منصة لاشاعة مشاعر التطرف والارهاب وهذا مايمكن ملاحظته في العديد من البرامج والفقرات خاصة في البث الفضائي ،فكان اخطر حلقة مؤثرة في الواقع العراقي من ضمن حلقات ودوائر نظام المحاصصة الطائفية.

وفيما لو اردنا ان نستعرض نماذج لهذا المسار الذي انحرف فيه الاعلام الرسمي العراقي عن جادة المهنية فبامكاننا ان نختار الكثير  لكننا آثرنا أن نكتفي بآخر وأحدث نموذج افرزه خلال حرب تحرير مدينة الموصل من تحت سلطة داعش،ويعمل هذا النموذج بصفة مراسل لقناة العراقية الرسمية الناطقة باسم الحكومة العراقية والممولة من المال العام،ولاننا لانهدف من وراء ذلك التشهير بشخصه بقدر ما سيكون بالنسبة لنا بمثابة عينة واضحة نستعين بها للاشارة الى ماوصل اليه خطاب  الاعلام الرسمي من طائفية وتطرف بالشكل الذي اصبح ينهل مفرداته من نفس البركة التي ينهل منها خطاب التحريض الطائفي للقوى والجماعات الاسلامية المسلحة المتطرفة مثل تنظيم داعش سنرمز له بالحرف(س).

المراسل المعني بالموضوع وانطلاقا من دوافع طائفية كان قد دعا صراحة ومن مقر اقامته في باريس قبل عام من الآن وعبر صفحته في موقع تويتر الى  قتل جميع سكان الموصل من العرب السنة بالسلاح الكيمياوي لانهم جميعا دواعش حسب زعمه ! . وبدل ان يعاقب بالطرد نتيجة دعوته هذه، كافأته قناة العراقية الرسمية في مرافقة القوات العراقية المتجحفلة عند اطراف المدينة وليرتكب في مهمته الجديدة خطأ آخر لايمكن لمراسل تتوفر فيه ابسط شروط المهنية ان يرتكبه وذلك عندما أخلّ بشرف المهنة ولم يحافظ على سرية المصادرالتي ترفده بالمعلومات،فبعد ان كان قد وعد رجلا موصليا مُسنّاً بأن لايظهر صورته على الشاشة في مقابل ان يرشده الى احد البيوت التي تعاون ساكنوها مع تنظيم داعش في احد الاحياء السكنية التي دخلتها القوات العراقية لتطهيرها منهم،وجدنا المراسل(س)لم يف بوعده وكشف صورة الرجل المسن في التقرير المصوّر،بذلك وضع حياة هذا المسن في خطر شديد نظرا لان المعركة مع الارهابيين داخل مدينة الموصل لم تنتهي بعد ومازالت في مرحلة الكر والفر، وكان من الواجب على الجهة الرسمية التي يعمل لديها وكذلك نقابة الصحفيين العلااقيين ان توجها له عقوبة تتناسب مع مارتكبه من انتهاك لضوابط العمل الاعلامي .

إن ازمة الثقة مابين خطاب الاعلام الرسمي والمتلقي العراقي لايبدو انها ستخرج من الزاوية الحرجة التي هي  فيها طالما كان منتجو هذا الخطاب قد اقفلوا ابوابهم ونوافذهم على مالديهم من معلومات ومعارف اكل الدهر عليها وشرب،وعلى مايبدو فإنهم  لايعيرون اهمية لتجارب الاخرين الناجحة في استقطاب المتلقي،ومازالوا يستعملون ذات اللغة والمفردات الخشبية المستندة على قانون “اكذب ثم اكذب حتى يصدقك الاخرون ” متجاهلين بذلك ماحصل من تطور  في لغة ووسائط الاعلام بالشكل الذي لم يعد فيه المتلقي اسير القنوات الاعلامية الرسمية للحصول على المعلومة.

 

 

                                               


Advertisements

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out /  Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out /  Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out /  Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out /  Change )

Connecting to %s

WordPress.com.

Up ↑

%d bloggers like this: